محمد أبو زهرة

1920

زهرة التفاسير

وهذا التوسط معنوي ، من حيث إنهم يدركون الحق ويعرفونه ، ولكن لا يدخلون في وسط أهله ، ولا يعرفون الله تعالى حق معرفته . ويصح أن تكون الإشارة إلى الولاء ، فهم مترددون فيه ، فإما أن يستنصروا بالمؤمنين ويوالوهم ، وإما أن يستنصروا بالمشركين ، فهم في هذا الاستنصار مترددون حائرون ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . وإنه لا سبيل إلى هداية هؤلاء الحائرين ، ولذا قال سبحانه : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى الهداية لكل الذين يدعوهم ، حتى الذين ينافقون منهم ، فبين الله تعالى أن ذلك غير ممكن إلا أن يريد الله ، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر للمنافقين ، فبين الله تعالى أن الله لا يغفر لهم ، فقال تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 80 ) [ التوبة ] وبهذا الحكم الثابت لن تكون لهم هداية لم يردها الله تعالى . ومعنى النص : ومن يكتب الله تعالى عليه الضلال في سجله المحفوظ يتردى في مهاوى الرذيلة ، حتى يركس فيها ، ويتكاثف الشر في قلبه ، ويزيد بالخطايا فلن ينفتح باب الهداية له ، ولن يشرق عليه نور الإيمان ، وبذلك لن تجد سبيلا لهدايته . وإن ما يكتبه الله تعالى إنما هو علمه المكنون الذي لا يتخلف أبدا ، وهو لا يمنع إرادة الشر من مرتكبه ، وإرادة الخير من فاعله ، ونسبة الإضلال إلى الله تعالى هي من قبيل المجاز من حيث إنه تركه في غيه ولم يسد عليه طريق الشر ؛ لأنه استمرأ الرذيلة ، وسار في طريق الضلال إلى النهاية ، فكان ضلاله بعيدا ، والله تعالى يهدى من أراد لنفسه الخير ، وسلك سبيل الرشاد ، فإن الله تعالى يوصله إلى طريق النجاة .